جيل اليوم بين المطرقة والسندان: هل حان وقت إعادة النظر في الموروثات؟
ثمة صمتٌ ثقيل يسود المشهد بين الأجيال في مجتمعاتنا جيل جديد ينهض محمّلًا بالأفكار والطموحات، وجيل قديم يتمسك بماضيه كمن يُمسك بجذع شجرة وسط العاصفة. في المنتصف، يقف الشباب… لا هم قادرون على الانتماء الكامل للماضي، ولا هم قادرون على الفكاك منه بسهولة. لقد نشأنا في بيئة تُقدّس الطاعة، تمجّد العادات، وتُلبس الموروثات ثوب القداسة، الموروث هنا لا يُناقش، بل يُسلَّم به. حتى لو تغير الزمان، وتبدلت الأحوال، يبقى القول المأثور هو الحَكم، ويبقى “ما وجدنا عليه آباءنا” هو المرجع الأخير. لكن ماذا لو لم تعد تلك الموروثات صالحة؟ ماذا لو تحولت من أدوات بناء إلى قيود هنا يبدأ الصراع.

إن من أخطر ما يعانيه جيل اليوم هو الاغتراب داخل المجتمع ذاته. اغتراب لا يُشبه غربة المكان، بل غربة الفكرة. يُطالب الشاب بالاجتهاد، لكنه يُمنع من السؤال. يُحثّ على الطموح، ثم يُذمّ إن خرج عن “المسار التقليدي”. يُشجَّع على الإبداع، ثم يُوصم بالتمرد إن خرج من عباءة المقبول اجتماعيًا.
لا أحد ينكر أن كثيرًا من الموروثات انطلقت من نوايا نبيلة. بعضها كان منسجمًا مع زمنه، بل ضروريًا لحفظ التماسك المجتمعي. لكن هل تبقى صالحة لكل العصور؟ هل تصلح وصفات الماضي لعلاج أمراض الحاضر؟
إن ما نسميه “صراعًا” في الحقيقة هو نداء لفهم متبادل. الجيل الجديد لا يسعى لإلغاء الماضي، بل لفهمه وتقييمه. لا يريد أن يقطع الجذور، بل أن يُنظّفها مما علق بها من أفكار أكل عليها الزمن وشرب. خذ مثلًا: فكرة أن “الرجولة لا تبكي” زرعت في أذهان آلاف الشبان مشاعر كبت وخوف من التعبير، لتظهر لاحقًا آثارها في عنف داخلي أو اكتئاب خفي.
أو الفكرة القائلة إن “المرأة مهما بلغت تبقى ناقصة عقل ورأي”، والتي حرمت المجتمعات من نصف طاقتها الفكرية. الوقت قد حان، لا لهدم القيم، بل لإعادة غربلة الموروثات: ما يُبنى عليه يُحتفى به، وما يُعيق يُترك.فكما أن المزارع لا .يتوقف عن إزالة الأعشاب الضارة، فإن المجتمعات أيضًا تحتاج إلى مراجعة دورية لما تُورّثه لأبنائها. ولا عيب في ذلك
بل إن العيب هو أن نواصل بثّ أفكار تجاوزها العصر، ثم نلوم الشباب لأنهم لا يفهموننا… أو لأنهم “خرجوا عن الطاعة”. نحتاج في هذا العصر إلى جسر لا جدار. جسر بين الأجيال، يُبنى بالحوار، لا بالصراخ. بالتفهّم، لا بالوصاية. بالأخذ والعطاء، لا بالتلقين والإملاء.
وهذا لن يحدث إلا حين نُدرك أن إعادة النظر في الموروثات ليست خيانة للأصالة، بل حفاظًا عليها.
